في رواية «يوم غائم في البر الغربي» للقاص والروائي محمد المنسي قنديل الصادرة عن دار الشروق في طبعتها الأولى 2009 يحاول الكاتب أن يقدم منجزاً ثرياً في أدب الميتاسرد، عبر الوثيقة التأريخية المدونة، والمحفورة على جدران الكهوف، عبر آلاف السنين لمراحل تأريخية مهمة من الحضارة المصرية الرائدة، من خلال تتبعه لمسار السيرة الذاتية لحياة الفتاة المصرية الصعيدية «عائشة» القادمة من أعماق صعيد مصر في أسيوط.
تلك البقعة من العالم التي تكاد تكون منسية في ذلك الوقت، والتي يولد فيها البشر ويموتون مندون أن يلحظ وجودهم أحد، كما تشير أمها وهي تخاطب الأم تيريزا رئيسة الدير «في نجعنا النائي لا توجد أي أوراق، نحن نولد ونموت من دون أن يدري أحد بوجودنا».
في هذه الرواية الموسوعية الشيقة، هنالك أكثر من مرتكز درامي، وأكثر من ثيمة، عمل عليها الكاتب بجد ونشاط، وهو يستحضر هذا الكم الهائل من الأحداث التأريخية والشخصيات التي لعبت دوراً مهماً خلال الفترات الخطيرة من تاريخ مصر، مثل اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني على مصر، في عهد الخديوي عباس باشا، والمسؤول المباشر عن مجزرة «دنشواي» التي راح ضحيتها العشرات من أهالي قرية دنشواي المصرية، كذلك الشخصية الوطنية الثورية مصطفى كامل ومحمد فريد، وعالم الآثار البريطاني هوارد كارتر، والإيطالي ماسبيرو مدير مصلحة الآثار المصرية، بالإضافة إلى مرفقات حفرية ونصية، لنصوص سردية مستلة من وقائع فرعونية تسجل أحداث مهمة من حياة فراعنة مصر، وجوانب مهمة من الحياة الروحية التي شكلت مستقبل مصر الديني لفترات لاحقة مثل، الثورة التوحيدية التي أطلقها فرعون مصر أخناتون في ذلك الوقت، ودفع حياته ثمنا لها، وما جرى بعد ذلك من حروب أهلية بين رجال الدين «كهنة آمون» وأخناتون ومن بعده مع توت عنخ آمون.
لقد كان في استطاعة الروائي محمد القنديل أن يقدم للقارئ رواية مصرية صميمية، من خلال شخصيتها الرئيسية «عائشة» لو لم يجعل من مشروع عالم الآثار الإنكليزي كارتر، مرادفاً لمسار حياة عائشة المتقلبة، بين انتمائها البيئي والقبلي والديني، بين القرية والكنيسة وقصر الباشا وصفي، والحي الشعبي في السيدة زينب، والمبغى، وعلاقتها بالشاب المصري محمود مختار، تساعده في هذا «المرتكزات الثيمية» التي بنى عليها منجزه السردي. مثل تنصّر عائشة ورضوخها لرغبة أمها، بتغيير دينها واسمها، للخلاص من مطاردة عمها عمران، مع كل ما كان سيشكله هذا التغيير من خطر حقيقي على حياتها وحياة أمها، رغم التبريرات الساذجة التي سوّقتها الأم لها لتقبل بهذا التغيير، الذي سيكون منقذاً ومخلصاً لها مما كان سينتظرها من بقائها في النجع مع عمها المتربص بها «عمران»، فهي تدرك في قرارة نفسها، أنها أقدمت على فعل كبير لا يمس حياتها الشخصية فقط، بل ممكن له ان يمتد بخطره على حياة أمها وتظل الأسئلة الحائرة تتردد على لسانها، بلا جواب مقنع «ولكنني تركت ديني، وغيرت اسمي، وماذا ستقولين لهم في النجع؟». لكن الأم وبدافع الخوف وكذلك الرغبة في إنجاز المهمة بأسرع وقت، والعودة إلى النجع، تحاول أن تخفف من وقع الحدث في قلب البنت «أنتِ الشخص نفسه مهما تغيّرت الأسماء، أما الدين فهو في القلب يا بنتي، مهما كان المكان الذي أنتِ فيه فسوف تعبدين الإله نفسه». وهذا الهاجس يظل يطارد «عائشة» حتى حين تكون مع صديقتها الجديدة والمتعاطفة معها «مارجريت» التي تحاول طمأنتها، بعد أن تكشف لها أنها تعرف سرها، وهي تسألها الطريقة التي تؤدى بها الصلاة الإسلامية، للتقرب أكثر من عالم عشيقها أو «مخلصها» كما تسميه رزق «الدين لا يحدث فرقاً بين الناس، الغباء هو الفارق…. استكانت عائشة إليها واسترخيا في الفراش وشعرت عائشة بدفء مفاجئ لم تجربه مذ غادرت فراش أمها»، لكنها أبداً لن تشعر باستكانة النفس، والهدوء، مع هذا الانقلاب الذي غيّر مجرى حياتها.
مرتكز ثيمي آخر، بنى عليه الكاتب حبكته ومتنه السردي، واستغرق فيه بطريقة مستفيضة وجعله علامة سيميائية، كانت ترافق التقلبات التي مرت بحياة عائشة، وهي «الذئب»، بحضوره المنظور، في أول ظهور له في حياة عائشة وهي بعد رضيعة، «عندما كان عمري لا يتعدى إلا أشهراً قليلة اختطف الموت أبي، وذهبت أمي لتتابع الرجال الذين يبذرون القمح في حقلنا، تركتني نائمة في عشة في طرف الحقل، بعيدا عن وهج الشمس، انشغلت عني للحظات، وعندما استدارت وجدت أحد الذئاب يقف بجانب فتحة العشة، هكذا في وضح النهار، جنّت، لم تعرف إن كان قد دخل حيث أنام أم لا، وهل اكتفى بتشمم جسدي الصغير أم افترسني؟ صرخت وهيّ تعدو نحو الذئب، وانتبه الجميع للصراخ فأخذوا يعدون خلفها، وأصيب الذئب بالفزع من هول الصراخ فوثب مبتعداً، عندما دخلت عليّ وجدتني أحدق فيها بعينين مستديرتين وابتسم كنت راضية، كأني قد أشبعت للتو، وعلى جانب فمي قطرة من سائل أبيض، لم يصدق أحد ما حدث، ومازلت غير مصدقة حتى الآن، من يومها والذئاب تتبعني»، أو الظهور الإشاري، كما في رحلتها الأولى مع مارجريت ورزق إلى داخل المنطقة الجبلية المطلة على النهر، أو في رحلاتها الاستكشافية الأخرى مع كارتر في البر الغربي، وما كانت تحتويه تلك المناطق من رسومات طقسية متنوعة، أو حضوري سمعي «صوتي» كما حدث لها وهي في طريقها باتجاه الوشام في الجبل، الذي سيرسم وشم الصليب على ذراعها، أو في خلاصها من عمها عمران، حين تنهشه الذئاب وهو يستعد للانتقال بها إلى المدينة، فلم تكن هناك غير أصوات الذئاب «تتوقف عن لبس الثوب وهي تسمع أصواتاً غريبة مقبلة من أسفل، حيوانات تزمجر في غضب، قريبة كأنها في فناء المنزل، سمعت صوت عمران يصرخ غاضباً: إذهبي … ولكن الزمجرات تزداد في شراسة، ترتدي الثوب بسرعة، لا تجرؤ على فتح الباب، تذهب الى ركن الغرفة وتتكوم فيها، ترفع رأسها مدهوشة وقد تحولت صيحات عمران إلى دمدمات ثم إلى صرخات مستغيثة، لا تصدق إنها تسمع صراخ هذا الرجل القوي، أحسّت كأن هناك أنياباً تنهش لحمها هي أيضاً، توقف صوت عمران عن الصراخ، ولكن الزمجرات استمرت، ثم ما لبثت أن أصبحت عواء متواصلاً كأنها تعلن انتصاراً ما» حيث كان للذئب حضور كبير، فلقد كان هذا الكائن أشبه بالطوطم الذي حرص الكاتب على أن يكون رفيق معظم رحلات عائشة الحياتية، ولم ينقطع عنها إلا في أوقات محددة، كانت فيها حياتها، تستكين لبعض الاستقرار والهدوء.
السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ والناقد، بعد قراءة هذه الرواية الكبيرة، التي ضمّت 569 صفحة، والمتنوعة سردياً، لو أن الكاتب سطّرها مكتفياً بشخصيتها الرئيسية، عائشة أو ماري، وبنى عليها ثيماتها المركزية/ التنصّر – علاقة عائشة بعمها – علاقتها بمحمود مختار – اللجوء إلى وش البركة – الجو السياسي العام لمصر في تلك الحقبة بعيداً عن مشاطرة المغامرة الآثارية، التي كان يقوم بها «كارتر»، هل كان النص السردي سيتأثر؟
من خلال تتبعنا لمجريات النص، في جزئه الخاص بعائشة، يتوضح لنا عدم تأثر النص بأي خلل كان يمكن ان تتعرض له بنيته السردية، وذلك لبنائه المحكم، وواقعيته، في كثير من أجزائه، فلقد كانت الرحلة التي قامت بها عائشة مع أمها، لعمل الوشم، من نجع بني خلف حيث أهلها إلى منطقة الجبل، بكل ما رافقها من أجواء حسّية/ صمت – خوف – صوت الذئب. التي أخذت من النص أكثر من 20 صفحة، تبعث على الترقب، حيث اختارت لها أمها مصيراً آخر غير الذي تعوّدته، والذي لا تعرف نهايته حتى وهي تجلس بين يدي الوشام وسط مغارة تحيط بها الذئاب. «قالت الأم: ضع علامة الصليب المقدس، واكتب تحتها الاسم ماري. شهقت عائشة ونظرت لها بعينين واسعتين مليئتين بالذعر، لم تبال الأم بها، واصلت إعطاء تعليماتها للوشام: أريده كبيراً وواضحاً، ولكنه باهت، كأنه كان مرسوماً على جلدها منذ سنوات، حقيقياً كأنها قد ولدت به».
ثم لتقودها بعد ذلك وسط شوارع أسيوط القديمة، حيث الكنيسة الأمريكية الخاصة بالبنات القبطيات، بعد رحلة مضنية وخطيرة بقطار القصب، كادت أن تكلفهما حياتهما، وهناك تبدأ الأم فصلاً جديداً من الحيل والتلاعب مع رئيسة الكنيسة الأم تيريزا، التي يبدو أنها أكثر شطارة وذكاء مما توقعت، رغم وقع المفاجاة التي تصطدم بها وهي تعرف أن المرأة وابنتها مسلمتان وقد تنصرتا، حين تكتشف خداع الوشم وحكاية الرؤيا التي تجلت فيها السيدة مريم العذراء لها، لكنها بعد توسلاتها المستمرة ووضع مصير عائشة بين يديها كمنقذ لها مما ينتظرها في قريتها، من موت محتم توافق أخيراً على قبولها في مدرستها تحت اسم ماري.
إن حكاية عائشة وأمها وعمها عمران، لوحدها كانت تكفي لتكون رواية ناجحة بكل المقاييس مع تتبع حياة عائشة في انتقالاتها المتعددة من النجع إلى الكنيسة، إلى بيت الباشا وصفي إلى منزل اللورد كرومر، إلى جريدة «اللواء» والتعرف إلى الزعيم الوطني مصطفى كامل، ثم السكن في حي السيدة زينب، وتعرفها على محمود مختار، وعودتها إلى قريتها وما حصل لها هناك من اعتداء من قبل عمها، والانتقال إلى بيت «وش البركة» سيئ السمعة. فكل واحدة من هذه المفتتحات، كانت بحد ذاتها تُعد «مرتكزاً ثيمياً» وتحمل في طياتها امتدادا لفصول لا تنقطع عن النسيج العام للنص، لكن الكاتب آثر أن يجعل من حياة كارتر في فصولها المصرية، ومن السرديات التأريخية المتعلقة بالملك أخناتون، وآثار مصر، جزءاً لا يتجزأ من حياة عائشة لتكون الخاتمة لحياتها، وهي تواجه مصيرها المُتخيل، الذي ربما يشبه في نواحي كثيرة، ما ينتظرها من نهاية أخرى مفجعة، بعد أن انتهت مهمة كارتر في عثوره على مقبرة الملك.
«الذئاب تتحرك في اتجاهها، لا تخاف من شيء ولا يوقفها شيء، تحيط بالبيت من كل ناحية تتذكر النظرة القاسية التي رأتها على وجه أمها تدرك أنه لاجدوى من الصراخ، ولا يوجد طريق للهرب». وليس هنالك من مسوّغ يبرر هذا الربط الميتاسردي، بين عائشة وعمل كارتر الآثاري، إلا ذلك الخيط الرفيع من علاقة تكاد تكون ميتافيزيقية وسط سينوغرافية عوالم كارتر الموغلة في الخيال والتأريخ، «أشار إلى عائشة التي كانت تقف ملتصقة بالحائط، التفتوا اليها بمن فيهم اللورد … بدا كارتر يتناول اللفائف ويفردها على الأرض… بدأت الأوراق تكشف عن محتواها، لوحات ملونة بأقلام مائية، رهيفة وغير صارخة الألوان، ولكنها واضحة وجلية، كلها لوجوه مصرية، أو بالأحرى لوجه واحد، صور جانبية تبرز الأنف العالي، والعيون الواسعة المدببة الأطراف بفعل الكحل، وجدائل الشعر، والحلي الموضوعة في مقدمة الرأس التي تتراوح بين أشكال الأزهار ورؤوس الثعابين وأقراص الشمس، كان التصميم مختلفا في كل لوحة، الثوب وتصفيف الشعر، والزينة والحلي، ولكنه كان الوجه نفسه»، وهذا الوجه الذي يقصده كارتر، والذي كان يصادفه في حفرياته، ليس إلا وجه عائشة، وهو امتداد طبيعي لرمز حيوي من رموز الحضارة المصرية، الأنثى، بكل تنوعها وحضورها، سواء كملكة،»كليوباترا» أو أم «تي» أو زوجة «نفرتيتي» أو ابنة «عنخ إسن». ولم تكن عائشة إلا رمزاً جمع كل هذه الأيقونات التاريخية التي زينت فسيفساء تاريخ مصر الفرعوني. وربما حقق هذا التلاقح العضوي شيئاً من التواصل بين متون السرد والميتاسرد.
إن ما حققه الروائي المصري محمد المنسي قنديل في هذه الرواية «يوم غائم في البر الغربي» يعتبر بحق إنجازاً كبيراً ومهماً في أدب الميتاسرد، حيث استطاع بحرفنة الكاتب المجرب والقارئ المتبصر أن يغور عميقاً في التأريخ المصري ليلتقط منه فصولا مؤثرة في وجدان المواطن والقارئ بكل شخوصها وأحداثها، ويعيد صياغتها سردياً في واحدة من أصعب أجناس النص السردي «الميتاسرد». لقد كان لأسلوبه في اختيار سرد الوقائع بضمير المتكلم مرة وبضمير الغائب مرة أخرى، واقتطاع فصول طويلة من الحفريات المصرية، فرصة كبيرة أمام القارئ لمتابعة النص والإمساك به.
المصدر: صحيفة “القدس العربي”
