تخطي التنقل

لقد تم فتح باب الترشح للدورة الثانية عشرة.

رامي أبو شهاب: نسبة كبيرة من الأعمال الروائية تعاني من إشكاليات تقنية

رامي أبو شهاب: نسبة كبيرة من الأعمال الروائية تعاني من إشكاليات تقنية

الرواية بنية متخيلة متكاملة تنهض على اللغة التي تشكل زاد الكتابة، في حين أن المؤشرات الدلالية، ومعمارية النص، تعدّان القيمة المقدّر استخلاصها من العمل للحكم عليه بالنجاح، أو الفشل، وبهذا فإن الأداة اللغوية، وأعني ببساطة الكتابة بوصفها فعل تشكيل العالم السّردي، تعد من أشد القضايا حساسية في عمل الكاتب أو الروائي، فليست الكتابة السّردية القدرة على توفير حكاية تروى- فهذا فعل يومي نمارسه كل يوم- بحيث يعتقد الكاتب بأنه قد أنتج رواية، وهذا ربما لا يشمل الروائيين الجدد وحسب، إنما يمتد ليطال روائيين لديهم تاريخ من الكتابة السّردية، التي لم تختبر نقدياً، خاصة في مخابر بحثية، كون النقد العربي ذاتيا وانطباعيا، لا يخضع لنسق مؤسساتي، أو مشروع نقدي متكامل، إنما إلى نزعات نقدية، ومن هنا، فقد بتنا نُشرعن المسلك القائم على وهم تحقق الرواية، بل أمسى هذا النهج ثقافة شائعة في الكتابة العربية التي أصبحت سردية بامتياز، وذلك تبعاً لسيولة النّشر، في حين أن السّرد الحقيقي بدا غائباً نتيجة وجود مراجعة معيارية نقدية حقيقية.

إن نسبة كبيرة من الأعمال الروائية تعاني من إشكاليات تقنية في تشييد العالم السّردي، فمعظمها يعاني من متتاليات الأحداث، والوصف الخالي من أي وظائف سردية، أو دلالية، فالمتلقي يمكن أن ينتهي من (100 صفحة) ولا يقع على تكوين سردي، يمكن أن يحتفي بالتكوين البنيوي القائم بين اللغة، والمنتج الدلالي، والأهم من كل ذلك تحقق متعة القراءة، ولعل هذا ما يقترب مما دعا إليه الروائي ميلان كونديرا، حين تحدث عن الجرد الجذري للسرد، وهو الذي يسمح باستيعاب تعقّد الوجود في العالم الحديث، بدون أن نضيع الوضوح المعماري، فالقارئ لا يقع على أي موجّهات بأن ما يطالعه عمل سردي، فهناك اعتقاد بعض الكتاب بأن سرد تفاصيل تتعلق، على سبيل المثال بشخصيات «س» أو «ص» وهو يستيقظ من النوم، ليضع ركوة القهوة ويراقبها وهي تغلي، ومن ثم يذهب إلى عمله، أو عن عاشق يلتقي محبوبته في مقهى ليحدثها عن قلقه الوجودي، ونقمته على السّلطة، في حين يستعرض ثقافته عبر تكرار عناوين عدد من الكتب، وهذا ما ينسحب على الكتابة الأنثوية، التي تنهض على متتاليات من الأحداث… التي تتعلق بامرأة جميلة، تتأمل واقعها بوصفها زوجة أو فتاة مقهورة نتيجة ذكورية المجتمع، ضمن سلسلة من الأحداث الطويلة والمملة، بدون مراعاة لحدود الذاكرة، فضلاً عن القدرة على توفير رؤية شاملة للقطعة الأدبية، في حين أن أحداثا سياسية، كأن تعاني دولة من حرب أهلية، أو ثورة أجهضت خيبة أمل، وخرجت عن مسارها، أو وطن مستلب يعاني من ظلم تاريخي، أو حتى مجتمع منغلق على نفسه يتوق للحرية والانعتاق، أو التعلق بذلك الإرث الاستعماري المستعاد، كل ما سبق ما هو إلا ثيمات شائعة في الرّواية العربية، إذ تبقى موضوعات يعرفها الأستاذ الجامعي، وسائق الحافلة، وطالب الثانوية، وهذا لا يشكل بأي حال من الأحوال عملاً روائياً، ناهيك عن الكم الهـــائل من الأعمال المستنسخة أو المستوحاة من مناخ روايات عالمية، التي يعتقد بعض الروائيين بأن استنساخ شكلهـــا قد يجعلهــــم كتاباً أو روائيين يمتلكون مشروعاً متكاملاً، أو توقـــيعا سردياً خاصا بهم، فهناك ثمة عناصر أساسية غائبة ترتبط بقواعد الكتابة السّردية، فعلى سبيل المثال، يعاني الكثير من الرّوايات العربية الصّادرة مؤخراً من عوار واضح، فمعظم الكتّاب يحشدون نصوصهم بكتل من الأحداث التي تشوّش ذهن القارئ، في حين أن معظم تلك الأحداث، يأتي بمعزل عن بنية العمل، وعلى حد تعبير الروائي الإنكليزي إ. م فورستر فإن أحداثاً منها: مات الملك وماتت الملكة… لن يصنع رواية، أو حبكة، فينبغي أن تكون هناك علاقة كأن يموت الملك، وتموت الملكة حزناً عليه… وهكذا فعلى الروائي أن يكون قادراً على تكوين منظور أيديولوجي، أو فكري عميق، فالرواية ليست متتالية أحداث، إنما هي بناء من الأحداث التي تتصل بتصور ذهني لأفكار، وعلاقات، يكونها «المتخيل»، ولكن في تشكيل سردي متماسك مصقول، في حين أن التّجربة مع أنها مركزية، ولكن ينبغي أن ترتهن إلى ممارسة، وقدرة على تمثّل كافة العناصر الفنية، بحيث لا يحصل نشاز في إيقاع السرد.

إن امتلاك القدرة على القراءة والكتابة، ورقم مئات الصفحات الزاخرة بالأحداث عن موضوع ما، نعرفه جميعاً لن يشكّل رواية، ثمة سرد هائل من التّكرار في الموضوعات والأسلوب، وأهم من كل ذلك على الكاتب أن يمتلك لغة على الأقل مقبولة، لقد بتنا نعاني من الروايات التي تقتلها الجمل الضعيفة والمكررة والمستهلكة، وهو ما يتصل بتوفر ثقافة ناضجة وعميقة، لا قراءة بضع روايات في مرحلة المراهقة، أو الجامعة، مع بروز أوهام ذاتية، إذ يعتقد بعض الكتاب بأنهم باتوا في خانة الروائيين العظماء، لقد بات السرد لعنة الأدب العربي الجديدة، وهذا يأتي نظراً لفائض الأعمال التي تصدر، ولا تشكّل حضوراً في ذاكرة السرد العربي.

وكما يلاحظ بأن ثمة عوامل أسهمت في انتشار هذه الظاهرة، ولا سيما في ظل غياب رقابة نقدية على الوعي الفني، فضلاً عن تراجع الصّحافة التي انفلتت موجهاتها في ظل وجود مواقع التّواصل الاجتماعي، والصحافة الرقمية التي يمكن أن تكتب عن أي رواية تافهة لتجعل منها عملاً عظمياً، وبذلك فهناك تزييف للوعي والأخطر من ذلك أن هذا التيار من الكتابة الرديئة، أنتج قارئا رديئاً، أو على العكس من ذلك، فالقارئ الرديء قد أوجد كاتباً رديئاً، ما أسهم بتدنٍ واضحٍ في ذائقة القراء الذين باتوا يمدحون بعض الأعمال التافهة، ويروجون لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخلع التعليقات الإيجابية على البعض منها، وبهذا، فإن وعي الثرثرة، ومتابعة الأحداث أضحى – في نظر البعض- «رواية» تبعاً لثقافة القارئ غير المثقف. لا شك في أن هذا ينطلق من إيمان بأن هذا العمل جميل من منطلق سطحية التلقي، نظراً لغياب العمق الفكري، وهو ما يتناسب مع وعي القارئ الجديد الذي أنتج كتباً، ولكنها ليست روايات، ولا شك في أن التفســـير يتضح من خلال تراجع القراءة الذكية في العالم العربي، وهذا ما يتصل بإشكالية تنشئة وعي القراء على قراءة الأعمال الحقيقية، وهذا يحيلنا إلى إشكالية التعليم التي تتجاهل الأعمال المركزية، وحيّدتها بوصفها قيمة حضارية، ولاتصالها بإشكاليات سياسية، أو ثقافية، لتجعل القراءة أسيرة المفهوم الوظيفي، مع وجاهة الثاني، ولكن يجب أن يكون هنالك توازن بين التوجهين.

ما زالت مقاربة السرد قرائياً قائمة في مجتمعاتنا، ولكن مع هذا الكم الهائل من الروايات الضعيفة، فإننا مضطرون للتسليم بتراجع الرّواية العربية من حيث عدم قدرتها على توفير أدب إنساني رفيع، مع التأكيد على وجود العديد من الأدباء الحقيقيين، ولكن ثمة تيار سلبي يطغى على الرواية العربية، وأعني ثقافة استسهال كتابة الرواية، واستسهال نشرها، وتقديمها على أنها رواية، في حين أنها تفتقد لأبسط عناصر الكتابة الروائية، وهذا لا يعني في أي حال من الأحوال مصادرة حق الكتابة لمن أراد، غير أنه معني بالدّعوة لتعلّم الكتابة لا من خلال تتبع قواعد الكتابة وحسب، إنما من خلال التأمل الذاتي، والتعلم من الأخطاء، لقد دعا الروائي الأمريكي وليم فوكنر الكتاب الناشئين إلى ممارسة الكتابة عبر اكتشاف الذات، وتأملها، وعدم الارتهان لمقولات الآخرين، وهنا تتحقق الأهمية، فالروايات الجديدة مسكونة بظواهر الآباء الذين كان لهم سياق كتابة خاص بهم، فقد كانت الكتابة السردية آنذاك محاولة تأسيسية لتمثيل عبر المتخيل، والإيهام به، وهذا ما لم يعد مستساغاً في الوقت الحاضر، إن عصور بلزاك، وفلوبير، وزولا، وبعض أعمال محفوظ بتفاصيلها الكثيرة، لم يعد أمراً مقبولاً، فالعالم بات أكثر اختزالاً وتكثيفاً؛ ولهذا فإننا بحاجة لجرد الكثير من السّرد بما ينطوي عليه من أحداث ووصف مجاني، ووضعه في خانة المنتهي الصلاحية.

مقال رأي للكاتب الفلسطيني الأردني رامي أبو شهاب نقلا عن صحيفة القدس العربي


أضف تعليق