تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشح في الدورة العاشرة.

“رجال في الشمس”.. محاولة هروب من واقع قاسٍ

“رجال في الشمس”.. محاولة هروب من واقع قاسٍ

محاولة هروب من واقع قاسٍ لواقع يعتقدون أنه أقل قسوة، لبشر لم يقترفوا إثماً (سوى أنهم فلسطينيون) ولأنهم لاجئون، فلا بد من تعليمات صارمة، ولا بد من طاعة لا حد لها ولهذا يتم الاتفاق على الخطة، وتتبع التعليمات بحرص، خصوصاً الصمت، وتنسى أهم التعليمات غير المكتوبة: التعبير عن الألم، وما إن تعبر الشاحنة مكان الخطر، حتى يكتشف السائق أنهم ماتوا ويقف عاجزاً وذاهلاً وهو يردد: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ ورددت الصحراء سؤاله: لم تدقوا جدران الخزان؟ لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟

غسان كنفاني (ولد في عكا 8 إبريل 1936 – واستشهد قرب بيروت 8 يوليو 1972) روائي وقاص وصحفي فلسطيني. كان أحد الوجوه المناضلة بالقلم إبداعا وصحافة وفكرا ومن أعماله: “عالم ليس لنا”، “موت سرير رقم 12″، “أرض البرتقال الحزين”، “رجال في الشمس”، “أم سعد”، “عائد إلى حيفا”، “الشيء الآخر”، “العاشق”، “الأعمى والأطرش”، “برقوق نيسان”، “القنديل الصغير”، “القبعة والنبي”، “القميص المسروق وقصص أخرى”..الخ.

الرواية الواقعة في 92 صفحة من القطع الصغير، والتي صدرت طبعتها الأولى عام 1963 ولها عدة طبعات عربية، تحتفي بمنطقة لاهبة هي حياة اللاجئ الفلسطيني الذي طحنته ظروف الحياة المؤلمة، وقيدته صفته: لاجئ، بعد سقوط دولته في يد العدوان “الإسرائيلي”، إنها رواية التشرد والبؤس والموت، رواية الشتات الفلسطيني.

القصة بسيطة فثمة ثلاثة فلسطينيين يريدون الانتقال من العراق إلى الكويت، لأن العائد المالي فيها أعلى من العراق، ولذلك يقرر ثلاثتهم الهروب، ويرفضون الدفع مقدماً حتى لا يفر منهم المهرب في وسط الصحراء، لكنهم يواجهون ما هو أقصى بمراحل.

شخصيات الرواية الرئيسية أربعة، اللاجئون الثلاثة، أبو قيس، وأسعد، ومروان، والمهرب: أبو مروان. والشخصيات تعبر عن شرائح الفلسطينيين، فأبو قيس أول شخصيات الرواية رجل عجوز بلا طموح سوى العودة لوطنه البعيد كنجمة، وقد فقد بيته وشجر زيتونه ويعيش مع زوجته الحامل وابنه الصغير في المخيمات فلا يجد إلا أن يستجيب لضغط لاجئ جرب الهرب، ولوطأة فقر يعانيها، إلا أن يسافر إلى العراق محاولاً أن يجد طريقاً للكويت ليبني بماله الذي يقتطعه من حياته دولته التي ضاعت. أما أسعد فهو شاب مناضل تطارده السلطات فيحاول الرحيل إلى العراق بمساعدة صديق والده الذي يسلبه عشرين ديناراً ويتركه في منتصف الطريق واعداً إياه بشرفه أن يقابله بعد المرور، فيفقد أسعد ثقته في البشر جميعاً، لكنه يستطيع الوصول إلى العراق مصممًا على عبور الحدود إلى الكويت ليستطيع أن يكون ثروة يرد بها الخمسين ديناراً التي أقرضها له عمه ليبدأ بها حياته ويتزوج ابنته التي لا يحبها لكنها خطبت له يوم مولدهما. أما مروان طالب الثانوية الذي يترك المدرسة ويذهب إلى البصرة حتى ينفق على أسرته، كما كان يفعل أخوه حتى تزوج فأرسل له: “لا أعرف معنى أن أظل أنا أعمل وأنفق على الأسرة بينما تذهب أنت إلى المدرسة السخيفة التي لا تعلّم شيئاً”. أما المهرب أبو الخيزران فيقبل أن يهربهم مقابل عشرة دنانير من كل منهم بعد وفي السر يعقد اتفاقاً مع مروان على أن يأخذ منه خمسة دنانير فقط.

الرواية التي تبدأ بتعريف الشخصيات الثلاثة ثم تدخل إلى الصفقة، ومنها إلى الطريق، وتحمل أبطالها بين الشمس والظل في سيارة الحاج رضا التي لا تفتش لأن جميع رجال الحدود يعرفونها ويعرفون الحاج رضا، وهم أصدقاء للسائق نفسه، ثم تنتهي بهم إلى القبر.

“أبو الخيزران” سائق ماهر، عمل في الجيش البريطاني، وعمل مع الفدائيين فأصيب بقنبلة أفقدته.

المكان الأساسي هو سيارة نقل مياه قديمة بها خزان ضخم فارغ هو ما يخفي فيه أبو الخيزران زبائنه، وحين ينادي عليهم للخروج.. يجدهم قد ماتوا حراً واختناقاً.

من المسؤول عن موت هؤلاء؟ وهل ماتوا حقًّاً حين كتموا أنفاسهم خوف انكشاف أمرهم أو حين قرروا ترك مخيماتهم؟ أو حين تركهم قادتهم في المخيمات المؤقتة؟ لا إجابة واحدة يمكننا أن نطمئن إليها.. بل إن قضية الفلسطيني ستظل تؤرق مضاجعنا بلا اطمئنان إلى أن يسترد أرضه وهويته.

المصدر: صحيفة “الخليج” الإماراتية


أضف تعليق