تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشح للدورة الثانية عشرة.

رواية للفتيان تستحضر حكايات فلسطينية بقالب عصري

رواية للفتيان تستحضر حكايات فلسطينية بقالب عصري

«نزل الذرة الصفراء»، هو عنوان الرواية الصادرة حديثًا عن دار «الأهلية للنشر والتوزيع» في العاصمة الأردنية عمّان، للروائي الشاب أنس أبو رحمة، وتم الاحتفال بإطلاقها، مؤخرًا، في متحف محمود درويش بمدينة رام الله.

والرواية التي صنفها أبو رحمة على أنها «رواية لليافعين»، اختار كاتبها المقطع التالي لتكون الغلاف الخلفي لها «طقطق الورق الناشف تحت قدميها، وغردت عصافير من فوق الأشجار فنظرت مينا صوبها. فجأة سمعت خطواتي فالتفتت بسرعة، لكنني اختبأت في اللحظة المناسبة فواصلت مشيها. بعد خطوات قليلة توقفت أمام شجرة بلوط قديمة وكبيرة، تلفتت حولها ببطء، ولما لم ترَ شيئًا غريبًا همست بصوت خفيض: سي، مي، سو، نا، وكررت: سي، مي، سو، نا، بعدها صمتت وعيناها مثبتتان إلى أعلى الشجرة، ثم أطل رأس غريب، بعينين متعبتين، من بين الأوراق».

وأشار أبو رحمة إلى النقص الكبير في حقل أدب الأطفال والفتيان، رغم تميز تجربة الكاتب محمود شقير، والكاتبة أحلام بشارات، وغيرهما.. وقال: «لا أنكر أنني كتبت الرواية لاستمتع فيها أولاً، ولا أنكر أن البطل في الرواية هو المكان قبل أي شخصيات، وهي هنا حقول الذرة الصفراء، إضافة إلى مينا الأخت الصغيرة لشقيق في السادسة عشرة من عمره، هو السارد لبطولات شقيقته، على عكس السائد من احتفال الفتيات الصغيرات بالإخوة الأكبر، على مختلف المستويات، وهنا كان السرد الاحتفالي المغاير للسائد من قبل الفتى، الذي تحتاج منا إلى عملية حساب عمره إلى تحليل نص الرواية، والذي هو بلا اسم بشقيقته الصغرى، عبر محاولاته الدائمة للتلصص على دفتر وصفاتها المخبرية، إن جاز التعبير».

وتتناول الرواية المغامرة الكبيرة للفتاة مينا، في قيامها بالعمل على تربية ورعاية الأسد الأخير المتبقي في الجبال، وهو مسن على حافة الموت، عبر سعيها لاختراع محلول يبقيه أطول فترة ممكنة على قيد الحياة، ليتسنى لها عندما تكبر أن تجلب له، عبر الباخرة، لبؤة، تتزاوج وإياه، وينجبان أسودًا يحافظون على سلالته ومن فنوا من أترابه وأقربائه، إن جاز التعبير، على يد الصيادين، وفتك فوهات بنادقهم برصاصاتها.

وما ميز رواية «نزل الذرة الصفراء»، هو اختلاقها عالمًا كاملاً بأجوائه وشخوصه وجغرافيته وأزمنته، بحيث يمكن إسقاطه في أي مكان بالعالم. المكان الفلسطيني واضح، ولكنه لا يحمل اسمًا محددًا ما جعله مفتوحًا على كل الاحتمالات، كما هو حال الزمان والشخوص، وهذا من عناصر القوة في الرواية. وعنصر القوة الآخر في الرواية هو الشعور بالمسؤولية تجاه اللغة، حيث تشعر أن ثمة زهدًا مدروسًا في لغة الرواية التي تعبر عن ملامسة حقيقية للأمور، وهذه الطريقة في الكتابة تتعامل مع اللغة كرافعة للحكاية، وليس كما يفعل البعض، بأن يعتمد على بلاغة اللغة لتغطي فقرًا أو عيوبًا في الحكاية.. لغة الرواية تنم عن خبرة لدى كاتبها في الطريقة التي تعاطى فيها مع اللغة، فلكل جملة موقعها المدروس، علاوة على الدخول المباشر إلى موضوع وأجواء الرواية، دون مقدمات لا ضرورية أو فذلكات لا داعي لها.

ومما يلفت القارئ في الرواية، تعاطيه مع الخرافة، والخيط الرفيع ما بينها وبين الواقع، والمتخيل هنا ليس الخرافة بمعناها اللاواقعي، بل هي الأقرب إلى ما نطلق عليه بالعامية الفلسطينية «الخرّيفة». فأنس استدرج «الخراريف»، أو جوهر الخرافة الفلسطينية، بشكل ما معصرن ولافت، كما دفع بالواقع إلى منطقة «الخراريف»، بطريقة فيها من الذكاء والخفة ما يدفع إلى الإعجاب والدهشة، وهذه عناصر روائية بامتياز، مع الإشارة إلى الملاحظة الختامية في الرواية بأن كاتبها كتبها وهو نائم، استجابة لنصيحة في النص بأن «لا تكتب وأنت نائم».


أضف تعليق