تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشح في الدورة العاشرة.

سعيد يقطين يكتب: الأنواع الروائية والجوائز

سعيد يقطين يكتب: الأنواع الروائية والجوائز

يتزايد عدد الجوائز الخاصة بالرواية عربيا وقطريا. ولا يمكن سوى تثمين هذه الجوائز التشجيعية للإبداع الروائي العربي. لكننا لم نتساءل قط لمن تعطى هذه الجائزة؟ هل للروائي أم للرواية؟ وإذا كان الواقع يشير إلى أنها أحيانا تكون لروائي غير معروف، وأحيانا أخرى لروائي له تجربة طويلة، يفرض علينا سؤال آخر نفسه: أي نوع من الروايات يحصل على الجائزة العربية؟ وكلمة «نوع» في السؤال تعني المعنى العام الذي يقصد به «طبيعة الرواية»، وقد تدل بالمعنى الخاص على «نوعيتها».

بما أن السؤال الخاص بـ»الطبيعة» يترك لتقويم لجان القراءة، ولما أسميه بـ«القراءة المجيزة»، يتصل سؤال «النوع» بنظرية الأجناس. ولعل السؤال الثاني غالبا ما يغيب في أي تقويم، لأنه لا يطرح أبدا في خضم النقاشات والتقييمات، لأننا لا نؤمن بنوعية الرواية، إذ المهم «هو الرواية، ولا شيء غير الرواية»؟ من خلال تجربتي في لجان التحكيم، مغربيا وعربيا، منذ بدايات التسعينيات إلى الآن، كلما وجدتني في لجنة قراءة الرواية، أمام أسئلة تتصل بخصوص «نوعية» (بالمَعنييْن) الرواية التي يمكن ترشيحها للفوز بالجائزة. ورغم كون المعايير التي تضعها اللجان المنظمة، أو التي تقرها لجان القراءة في ما بينها أحيانا، والتي تحضر فيها الطبيعة لا البعد النوعي، أجدني حائرا، هل سؤال «الطبيعة» كاف للحكم على الرواية؟ أم لا بد من إدراج «النوع» أيضا بهدف تحقيق نوع من الإنصاف، أو إضفاء نوع من الموضوعية على القراءة المُجيزة.يتصل سؤال «الطبيعة» بالرواية في شموليتها. وإذا تكلمت بلغة السرديات، قلت: القصة والخطاب معا. أي أنه يرتبط بالمادة الحكائية وطريقة تقديمها، وغالبا ما يكون التركيز منصبا على القصة أكثر من الخطاب. لكن الروايات المقدمة، ولا سيما حين يكون عددها كثيرا، يصعب على أي قراءة مجيزة أن تحتكم إلى معايير موحدة ومشتركة، إذ أن هناك فروقات كثيرة بين النصوص المترشحة. فهناك بعض الروايات مثلا لا نجد فيها «قصة» بالمعنى التقليدي، أي لها بداية ونهاية، بل هناك مواد حكائية متعددة، تنظمها فقط الشخصيات، أو حدث من الأحداث. وقد نجد رواية ذات حبكة بوليسية، وأخرى ذات مادة تاريخية، أو واقعية، وثالثة، تدمج بين التاريخي والواقعي، من خلال بنيتين متجاورتين. كما أننا نجد أنفسنا أمام رواية الذات، سواء من خلال التخييل الذاتي، أو السيرة الروائية، وإذا وجدنا أنفسنا، مثلا، أمام «رواية رقمية»، ماذا سنفعل هل سنتعامل معها على أنها رواية؟ أم نستبعدها على أنها «غير ورقية»؟ وعلى أي أساس سنميز بينها وبين غيرها من الروايات إذا قبلناها؟

وعلى مستوى الخطاب قد نجد رواية توظف رواة متعددين، وأخرى راويا واحدا. ويمكن قول الشيء نفسه عن السرد والزمن والتبئير.. كل هذا يعني أننا أمام عوالم من التقنيات والمواد الحكائية المختلفة والمتعددة. وأحيانا قد نجد رواية ذات قصة مثيرة، لكن لغتها بسيطة وعادية. وفي المقابل قد نجد رواية جميلة جدا على مستوى لغتها، لكن مادتها الحكائية بسيطة، أو مكرورة. فعلى أي أساس يمكننا التقييم والتمييز؟ هل على أساس القصة؟ أم على أساس الخطاب؟ وإذا كان على أساسهما معا، كيف نميز تبعا لاختلاف العوالم والقراءات؟ هل بحسب تعدد المواد الحكائية؟ أم بحسب التقنيات؟ أم الدلالات؟ كل هذه الاعتبارات تجعل الاحتكام لـ»شمولية» الرواية غير دقيق، فيكون التمييز والترشيح لما تتفق عليه اللجنة.

في غمرة كثرة الجوائز ألا يمكننا اعتماد البعد النوعي أساسا للتمييز بين التجارب الروائية؟ كأن تعلن لجنة تنظيمية أن جائزة الرواية للموسم المقبل، ستكون «الرواية التاريخية». وفي موسم آخر حول «الرواية البوليسية» مثلا، وهكذا دواليك. ومن تكون عنده رواية تسير في هذا الاتجاه أو ذاك، يمكنه أن يشارك. وإذا كان هناك متسع من الوقت، يمكن للكاتب أن يكتب حسب الجائزة إذا رأى نفسه مؤهلا لذلك. أرى أنه بهذا يمكننا تقليل العدد الكبير من النصوص التي تقدم للقراءة، ولا يكفي أي وقت لأي لجنة لتقوم بدورها على أتم وجه وأحسنه. كما أنه، من جهة أخرى، يمكننا تطوير كتابة الرواية النوعية، والتحفيز عليها: لماذا لم ننتج روايات للأطفال، وأخرى للشباب، وأخرى حول البيئة، أو الحرب، أو الخيال العلمي أو الرواية الرقمية؟ ومن جهة ثالثة، يمكننا القول باعتزاز: هذه أحسن رواية «تاريخية» في اللغة العربية لسنة كذا، لأنها تقدم رواية تاريخية بمواصفات حكائية وخطابية متميزة. وبذلك يكون التنافس، حين يكون مؤسسا على النوع، نزيها وشريفا، والقراءة موضوعية. وفي كل سنة، تقدم جائزة عامة لأحد الروائيين عن تجربته الروائية العامة.

أرى أن على تجربة جوائز الرواية العربية أن تفكر في تطوير ذاتها، لا أن تظل تسير على منوال واحد، وإلى متى؟ وأرى أن هذا التطوير ضروري لأنه سيعطي للروائي مهلة قبل الإقدام على المشاركة في أي جائزة؟ وإلا فما معنى ليترشح أي كاتب لأي جائزة؟ وهناك من يترشح سنويا؟ وبذلك يمكننا إعطاء «النوع» الروائي العربي حضوره وخصوصيته وجائزته المستحقة.

مقال رأي للناقد المغربي سعيد يقطين نقلا عن صحيفة “القدس العربي”


أضف تعليق