تقدّم الروائية الأردنية كفى الزعبي في روايتها «شمس بيضاء باردة» تصورًا فلسفيًا مغايرًا للعالم وعلاقة الفرد البسيطة به، من خلال الاستعانة بالأساطير الإغريقية القديمة («جلجامش» و«سيزيف» تحديدًا) وذلك في حكاية بطل الرواية «راعي» الذي يجد نفسه مضطرًا لمواجهة عالمٍ لا يرغب في الحياة به، ولكنه ما يلبث أن يتورط في علاقات ومشكلات مع أشخاصٍ من هذا العالم، يحيلون حياته إلى جحيم.
من غرفةٍ ضيقةٍ بلا نوافذ تبدأ حكاية «راعي»، وخلال 14 يومًا وليلة يتواصل سرده ليومياته الخاصة، التي يعبّر فيها، وعبر استخدام تقنية «تيار الوعي»، عن كل ما يدور حوله، وهي التقنية الأنسب في حالة بطل الرواية المشتت الذي تحيطه الهواجس والخيالات والكوابيس، ويجد نفسه وحيدًا وكأن العالم كله ضده، حيث لا عائلة يحتمي بها ولاحبيبة ولا أصدقاء.
والده يتنكّر له ويرفضه، وأمه مستسلمة لذلك الوالد القوي الباطش، علاقاته كلها مبتورة. يتورط في علاقة جنسية بفتاةٍ قاصر جاءت إليهم لتحتمي من الناس فإذا بها تقع فريسة لجشع والده من جهة ونزواته الجنسية من جهة أخرى.
هكذا تدور الرواية كلها تقريبًا حول هذا البطل وصراعاته وأفكاره الشخصية، موقفه من أسرته ومن المجتمع، والمراوحة في ذلك بين الموقف الفلسفي الوجودي، والموقف العبثي السلبي فقط، رغم ذلك لا يبدو «راعي» غريبًا عن فكرة البطل المهزوم والمأزوم الذي يواجه المجتمع وأفكاره ومعتقداته بشكلٍ عام، والتي نجدها في عدد كبير من الروايات العربية بمعالجات وأبعاد مختلفة منذ «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ مثلاً، مرورًا بـ«تلك الرائحة» لصنع إبراهيم وغيرها.
لكنه عند كفى الزعبي يحمل بعدًا آخر، ربما جاء بشكلٍ مباشر من أسطورة «سيزيف» الذي يحمل الصخرة إلى الجبل، وكلما سقطت منه عاد وحملها وصعد بها مرة أخرى. هنا لدى «راعي» الكتب هي تلك الصخرة، وهو يسعى للتخلص منها، لكنه يعود بها للبيت مرة أخرى.
المصدر: موقع إضاءات
