رواية كفى الزعبي “شمس بيضاء باردة” جديرة بقراءتها للواقع في عين الأسطورة، حيث تقرأ الرواية كيف انمسخت الأسطورة في تمثلها وحضورها التاريخي، كيف انمسخ جلجامش بصورة والد راعي – بطل الرواية- ، وكيف انمسخت البغي المقدسة التي دجنت انكيدو لتصبح عائشة المتخلفة عقلياً وعاطفياً، وكيف انمسخ راعي ليصبح تابعاً وبديلاً ساذجاً لأنكيدو الحقيقي، وكيف انمسخت عشتار عبر شخصية زوجة أحمد، وكيف اصبحت ساقية الآلهة في رحلة جلجامش مجرد نادلةٍ بائسة في بار عماني بائس.
هذه الرواية هي رواية انمساخ الأسطورة العليا وانهيارها وتحولها لنماذج بشريةٍ تائهةٍ ضائعةٍ وغير قادرة على الفعل وتنتهي شخصياتها الرئيسية: أحمد إلى الانتحار وراعي لمصح عقلي.
تستحق هذه الرواية العالية أن تُقرأ وتُناقش ويُعقد لها حلقاتٌ نقاشيةٌ تقرأ المناخات الواقعية البائسة للإنسان والمثقف العربي غير القادر على الحضور والتفاعل مع واقعه والتأثير فيه وغير القادر على التماهي مع قيمه الأسطورية الجمعية العالية وارتداده وخيانته لهذه القيم العليا.
هذه الرواية هي الرواية السادسة لكفى الزعبي والتي تأخذنا بها كفى الزعبي بثقافتها العالية ووعيها المتمرد وتعمل عبر صفحات روايتها ال 320 صفحة على بناء شخصيتها الرئيسة “راعي” وصديقه أحمد بصيغتهما الأنكيدوية، وعائشة البلهاء وزوجة أحمد بصيغتها العشتارية أو بصيغة بغي أنكيدو، ووالد راعي ووالدة أحمد بصيغتهما الجلجامشية الضبابية المشوهة.
توهمنا الرواية أنها تعيد قراءة جلجامش المعاصر عبر تغييب جلجامش أو مسخه أحياناً أو عبر التوهم بموت جلجامش وبقاء أنكيدو وحيداً « راعي وأحمد « – في قلبٍ لسردية الأسطورة – دون القدرة على التأقلم أو الفعل دون حضور جلجامش الذي يتم استبداله كبديلٍ سيكولوجي من الشخصيتين الرئيسيتين راعي وأحمد بعشتار « زوجة أحمد « وعدوة جلجامش في الملحمة ؟، هذا التفكيك للأسطورة وتبيئتها عبر شخصياتٍ واقعيةٍ مأزومةٍ وبائسةٍ ومحاولة إعادة بناء الأسطورة من جديد عبر التقاط ركام الأسطورة التاريخي ومزجها من جديد بعيداً عن نسق الملحمة الذي نعرفه كان واحداً من تقنيات هذه الرواية الجديدة في استخدام هذه التقنية التي تعمل على قراءة تحولات الأسطورة التاريخي في الشخصيات الواقعية الحضور.
