تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشح في الدورة العاشرة.

عبدالله الناصر يكتب: ورحل “ياسين” أحد رموز الرواية العربية

عبدالله الناصر يكتب: ورحل “ياسين” أحد رموز الرواية العربية

رحل “أحد رموز” الرواية العربية ياسين رفاعية، هذا الروائي والكاتب الذي أثرى المكتبة العربية برواياته وقصصه الجمة، وياسين رفاعية أنشأته موهبة نادرة وقدرة عجيبة على العمل الإبداعي إذ إنه لم يتخرج من مدرسة ولا جامعة وإنما تخرج من مخبز أبيه.. كان منذ صغره يصنع الخبز ويغذي الناس في النهار، وفي الليل يقرأ ويعلم نفسه فوق أكياس الطحين، وعلى حافة الفرن في الشتاء.. ليغذي الناس فيما بعد بإبداعه، فقد استطاع بموهبته الفريدة الفذة أن يشق طريقه نحو الكتابة الإبداعية.

بدأ الكتابة منذ الخمسينيات في الصحف، والمجلات السورية والعربية وصدرت له أول مجموعة قصصية في عام 1960، وكان ممتزجاً بالمفكرين والشعراء والأدباء كرفيق دربه زكريا ثامر، وعبدالله الشيتي، وشوقي بغدادي ثم نزار قباني، ويذكر انه أول من شجع الكاتبة الكبيرة غادة السمان على الظهور وكان أول من نشر لها، ثم تطورت العلاقة بينهما إلى حد الخطوبة ولكن الخطوبة فُسخت بشكل دراماتيكي.. ثم إنه فيما بعد تزوج الشاعرة السورية أمل جراح، وانتقل إلى بيروت حيث كانت آنئذ موئل المثقفين، والشعراء والمفكرين، وازداد نشاطه القصصي والروائي، كما تمكنت علاقته بالشاعر نزار قباني وبشكل اقرب إلى الحميمية والأخوة بينهما، وكان قد أطلعني -رحمه الله- على ملف ضخم للرسائل المتبادلة بينهما عندما كان نزار متنقلا في عمله الدبلوماسي ملحقاً ثقافياً ما بين لندن واسبانيا والصين وهي رسائل مكتوبة باليد تمنيت عليه أن يخرجها في كتاب كما فعل توفيق الحكيم في كتابه “زهرة العمر” مع صديقه اندريه.. وارجو من ابنه بسام -وهو قادر- أن يخرج تلك الرسائل في كتاب.

وكان ياسين أول من احتفى واحتفل بالشاعر محمود درويش وهو أول من عمل لقاء صحافيا معه عندما زار محمود بيروت لأول مرة في الستينيات، لكن العلاقة توترت بينهما بعد أن طلق محمود زوجته الأولى رنا قباني بنت أخي نزار قباني التي كان يقسو عليها.. وأصبح درويش يلهج بذكر معشوقته “ريتا” اليهودية..! وكان ياسين يتهم محموداً أنه ابتعد عن عروبيته إذ كان لا يرغب بأن يلقي قصيدته الشهيرة “سجل أنا عربي”، يقول ياسين عندما سألته لماذا تتنكر لهذه القصيدة قال: “بشرفك يا ياسين هل يشرفك أن تكون عربياً؟!”.

وكنت قد عرفت ياسين رفاعية كمبدع من مجموعته القصصية “العصافير” ثم تعرفت عليه عندما بدأت العمل في لندن وعن طريق النادي العربي ثم تطورت العلاقة به من خلال الندوات التي كانت تعقد معا في المكتب الثقافي حيث يحضرها كثير من الأدباء والشعراء أمثال الطيب صالح وسعدي يوسف، ود.سلمى الجيوسي، وبلند الحيدري وخلدون الشمعة وعبداللطيف أطيمش ومحيي الدين اللاذقاني وغيرهم.

وقد عرّفني الأستاذ ياسين على نزار قباني حيث كنا نزور الشاعر في بيته “بسلون ستريت” ونلتقي في مقاهي ذلك الحي، وكان الدكتور غازي القصيبي رحمه الله يحترم “ياسين” يحبه ويقربه ويدنيه… وكان يكتب معنا في المجلة الثقافية التي انشأتها بالمكتب هناك.. كان يكتب تحت عنوان “ذكريات مع الأدباء” كتب فيها عن أربعين أديبا وشاعرا… وكان الأستاذ ياسين قد عاد إلى بيروت التي كان يحبها، واستمر يمارس أعماله الأدبية، وبالذات الروائية فصدرت له ست مجموعات روائية بعد عودته من بريطانيا مع ما يكتبه في الجرائد والمجلات بما في ذلك مجلة اليمامة (التي ظل يكتب فيها حتى آخر أسبوع من حياته).

ولقد تعرض الأستاذ ياسين لكثير من الأزمات فقد لاقى اضطهاداً في الصحيفة التي كان يعمل فيها في بريطانيا، كما أوذيت ابنته من ذات الصحيفة، وأذكر أن لديه مشروع كتاب اسمه “صحافة مُرة” سجل فيه تلك المآسي التي مرّ بها.. ثم عانى من تفاقم مرض زوجته الشاعرة “أمل جراح” وقد صدم بموتها وكتب عنها روايته “وميض البرق” ثم فجع بموت ابنته، كما ظل يعاني من الجحود الأدبي والسرقات التي نالت من أدبه بما في ذلك روايته “مصرع الماس” والتي حولت إلى المسلسل السوري الشهير “باب الحارة” ولم يذكر اسمه من قريب أو بعيد كما يقول هو، متألماً من هذا السطو والجحود.

وفي السنوات الأخيرة عانى من بعض الإشكاليات الأدبية إذ أقيمت ضده دعوى قضائية بسبب تشابه الأسماء بين غادة السمان المعروفة، وغادة السمان الأخرى التي اتهمها بأنها انتحلت اسم الأولى، ويبدو أنها كسبت القضية ضده ودفع كل ما يملك حسبما قيل.. بعدها أصيب بمرض عضال يحتم إجراء عملية جراحية باهظة الثمن، وقد كتبنا “ثلاثة من الأدباء” لخادم الحرمين الشريفين أيام كان وليا للعهد فلم يتوان حفظه الله – وهو سريع النخوة والنجدة للمثقفين عامة – من دفع تكاليف العملية، ولكن المتابعات الطبية أرهقته مالياً ولم يعد لديه دخل إلا مكافأة كتابته في اليمامة، وفي آخر أيامه عانى من ضعف البصر ولم يعد يرى جيدا فاضطر إلى إجراء عملية في إحدى عينيه حيث اقترض ثمن العملية الباهظ.. وكان يريد إجراءها في الأخرى فلم يتمكن بسبب عدم قدرته، وكنا نتراسل عن طريق “الواتس”، وقد كان يعتذر من الأخطاء لأن الحروف أخذت تزوغ من عينيه فلم يعد يراها جيدا، وأصابه اكتئاب شديد وفي إحدى رسائله إلي قال: “إن الحياة تشد الانشوطة على عنقي… اسأل الله راكعا في الصلاة لو فسحة أمل يارب فيما تبقى من العمر”.. ومع هذا ظل مواصلاً الكتابة متشبثا بالحياة.. فرغم كل هذه الظروف المرضية العصيبة وتقدمه في العمر فقد كان يكتب، لم تغب زاويته في اليمامة.. وكتب رواية “الحياة من ثقب إبرة” خلال مرضه.. وكانت آخر رسالة وصلت إلي منه رحمه الله صورة عن غلاف كتابه الجديد “أصل المرام” وكان ذلك بتاريخ 11/5/16 قبل أن يصاب بالجلطة الدماغية التي أتت عليه بيومين.

مات الروائي الكبير في ضنك من خصاصة العيش وقلة ذات اليد.. ولكنه كان قد أثرى المكتبة العربية برواياته وقصصه وكتاباته الرائعة..

عليك رحمة الله يا ياسين.

مقال رأي للكاتب السعودي عبدالله الناصر نقلا عن صحيفة “الرياض” السعودية

 


أضف تعليق