بعض كتّاب الرواية العربية يطلق فوراً وبشكل عفوي انفعالي عبارة «هذا عبث» حين يجري الحديث أمامه عن ما يسمى «الرواية الواقعية الرقمية»، فهم لا يعتبرونها البتة شكلاً أدبياً يمكن تواجده في إطار تركيبة السرد العربي بشكل عام.
لا يهمنا الآن أن نتوقف عند رفض بعض كتاب الرواية لما يسمى الرواية الرقمية، لأننا يمكننا أن نقارن ذلك الرفض بمثيله عند الشعراء للقصيدة النثرية، ويمكن عندئذ الدخول في إشكالية صراع الأجيال والتجاذب الرافض بين القديم والجديد بشكل عام، وهو نقاش لا يمكن حسمه لأنه جزء من سيرورة الحياة.
الأهم إننا يمكننا استعراض ذلك الملمح أو التبرير المفاهيمي الذي يكتبه مروجو الرواية الواقعية الرقمية عنها حين يقولون إنها مختلفة تماماً عن الرواية العادية من حيث إنها لا تعتمد على الكلمة فقط وتراعي طبيعة ذلك القارئ المشار إليه آنفاً حين تحدد سلفاً عدد الكلمات التي يجب استخدامها، وحين تضيف إلى جسم الرواية وأدواتها وسائط أخرى غير الكلمة.
في نفس الإطار يتحدث محمد سناجلة في كتابه «رواية الواقعية الرقمية» عن اللغة في تلك الرواية قائلا إن الكلمة لن تكون سوى جزء من كل، وأن الكلمات نفسها يجب أن ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة، أي أنّ الكلمة يجب أنْ تعود لأصلها في أنْ ترسم وتصور، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أن نكتب تلك الرواية بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة.
والبعد التبريري الآخر الذي يركز عليه من يطرحون فكرة هذه الرواية الرقمية هي أنها تتيح للمتلقي إمكانية التعديل في النص المعروض أمامه، بل وإمكانية رفضه إن شاء من خلال التفاعل المباشر مع النص ومع كاتبه، إضافة إلى أنها -أي تلك الرواية الرقمية- تنتشل قارئها من أن يكون مجرد مستقبل لفكرة كاتب ما ولا يملك خيار أن يعترض عليها أوعلى بعضها، إنها إذن إشارة هامة إلى أن الرواية الرقمية قد توفر مستويات من الحرية فيما يتعلق بمتلقيها حقاً.
كل ذلك قد يغدو مجرد كلام نظري جميل لكن يفتقد إمكانية التجسيد، إذا علمنا أن المتلقي الذي يمتلك الأدوات المعرفية والذائقة الثقافية هو مجرد افتراض قد يوجد في نسبة محددة قليلة من القراء الإلكترونيين المنثورين على أديم مواقع التواصل الاجتماعي.
إن المتأمل في الكتابات التي تزدحم بها مواقع التواصل الاجتماعي والسطحية المنتشرة في تلك الكتابات وحتى الأخطاء اللغوية فيها، سيقترح فوراً لمن يحاولون تسويق الرواية الرقمية وفق التبريرات السابقة، أن يصنعوا أولا متلقياً قادراً على التفاعل معهم بشكل أدبي، وذا ثقافة عالية وفهم مسبق بشروط السرد وإمكاناته المعرفية المطلوبة.
مقال رأي للكاتب محمدو لحبيب نقلا عن صحيفة الخليج الإماراتية

