تتشكل رؤية الروائي السوداني الشاب محمد الطيب من الواقع السوداني الحي بتركيبته الخصبة والممتلئة بالعوالم المدهشة وتناقضاتها المثيرة للجدل، مستخدما في سرده لغة تتسق إلى حد كبير مع الأحداث وتركيبة الشخصيات الاجتماعية والثقافية، وقد قدم روايتين “الحبل السري” و”روحسد” وينتظر صدور روايته الثالثة “في بلاد السين أولاد الخونة”، سعيا وراء مشروع سردي يحمل بصمته.
ويقول الطيب “نحن أبناء حكايات الجدة وأول الليل وسجع القمر، شكلت مخيلتنا أسطورة الحكي وسطوته في الريف السوداني حيث تنمو الحكايات كالعشب وتمشي بين الناس كالنسيم، الحكايات البكر الأولى هي من شكلت مخيلة الكاتب لدي، “فاطمة السمحة وود النمير والغول وما فيكم أبوي يا جلابة ” السرد المسجوع بطعمه الخاص المميز هو المكون الأساسي لدي، لا تزال لتلك الحكايات سطوتها حين تعبر الذاكرة فتتفتح وتزهو وتزدهر”.
ويلفت إلى أنه اتجه إلى دراسة الصيدلة هروباً من الطب، الأمر كان معقداً، الإنسان في العالم الثالث تشكل الدراسة لديه وسيلة لكسب العيش والأدب يغذي الروح فقط، كل محاولات الجمع بين الصيدلة والأدب مجرد تنظير، هما عالمان مختلفان ولكن لكل مجال منهما تميزه وثراؤه، من الجيد أنني أحب الصيدلة وأظن أن مشروعي السردي يحقق نجاحات متصاعدة.
ويرى الطيب أن الرواية سؤال وليست إجابة، ويقول “البراعة أن تكتب عن نفسك فلا ينتبه القارئ وأن تكتب عن الآخرين باحترافية فيظنهم القارئ أنت، هذا هو سر اللعبة، ورواية “روحسد” كُتبت بإتقان لأن أسئلتها غاصت عميقاً داخل النفس، اختفى صوت (خيري) المؤلف في النص لأنه كان تبريريا.
ويؤكد الطيب أنه تأثراً بالمحيط العربي والعالمي “يمكنني القول إن الرواية السودانية تشهد انفجاراً سردياً لو صح التعبير، فالأعوام العشرة الأخيرة أفرزت جيلاً متميزاً في الرواية السودانية طرق أبواباً لم تطرق وحاول كسر التقليدي الرتيب في جسد الرواية السودانية متسلحاً بثقافته الآفروعربية بنكهتها المميزة، ما يؤسف لها أن عدم احترافية حركة النشر داخل السودان وعدم مواكبة حركة النقد لهذا الانفجار السردي جعل معظم هذه الأعمال حبيسة المحلية، بل والكثير منها حبيسًا للأدراج ولم ير النور بعد، الومضات النادرة التي تشهدها للكتاب السودانيين في العالم العربي تعود لدور النشر العربية بعد تميزهم كرواة في المقام الأول بالطبع”.
ويرى أن الروائي الطيب صالح والروائي أمير تاج السر يشكلان جيلين مختلفين للرواية السودانية وإن كان الاثنان نتاج الواقعية السحرية بمزاجها السوداني المميز، الطيب صالح مدرسة قائمة بذاتها وتعتبر رواياته من كلاسيكيات الأدب العالمي، أما أمير تاج السر معروف عربياً أكثر لدى القارئ، ويعود هذا لانصراف دور النشر العربية عن السوق السودانية مع استثناء بضع دور نشر مصرية لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وهو على الرغم من أن رواياته تعد الآن من الأكثر قراءة عربياً ويطلق عليه أمير السرد العربي تحبباً، ولكنه دفع ثمن تجاهل دور النشر العربية للقارئ السوداني وهذا أمر محزن.
وحول رؤيته للحركة النقدية السودانية ومدى مواكبتها لحركة الرواية والإبداع بشكل عام في السودان يوضح الطيب أن “النقد في السودان يدور بعجلة بطيئة جداً مقارنة بعجلة الرواية والإبداع في السودان، ويعود هذا لعدة عوامل فمثلاً ارتباط حركة النقد بحركة الإبداع الخارجي في المحيط العربي والعالمي أكثر من الحراك الإبداعي الداخلي، كما أن حركة النقد ترتبط بالشللية والمعارف مما يسقطها في إطار المجاملات في كثير من الأحيان ثم يأتي ضعف العائد المادي للمقالات النقدية والذي قد يصل إلى الصفر في الصحف السودانية مما يجعله طارداً للكثيرين من أهل التخصص ومرتعاً خصباً لذوي الأهواء، لا يجعلني هذا أتجاوز عن جهود بعض الأقلام النقدية الجادة مثل هيثم الطيب، هاشم مرغني، وأبو طالب، وعز الدين مرغني وغيرها من الأقلام النادرة الجيدة”.
المصدر: موقع ميدل إيست أونلاين
