هل في نص نجيب محفوظ الروائي فلسفة واضحة المعالم، أو ما يشبهها؟ وهل هي مشتقة من فلسفات أخرى، أم أنها مستقلة وذاتية الولادة؟
السؤال، في تفرّعه، مشروع قياساً، بحدود معينة، على دراسات عالجت روايات الروسي ديستويفسكي، الذي تأمله نيتشه طويلاً، وقرأ فيها غيره دلالات الشر والحرية والعطب الإنساني، وأخرى صدت روايات الفرنسي أندريه بلزاك، الذي رسم في “الملهاة الإنسانية” شخصايت عاثرة، ينتظرها الإخفاق، بعد حين.
لا يجب تسويغ السؤال صعوبات نسبية، تحايث فضاء محفوظ الروائي؛ فهو واسع زمنياً، امتد في خمسة عقود وأكثر، من منتصف ثلاثينيات القرن العشرين إلى ثمانينياته، وهو متنوع في مراحله التي أخذت، على الأقل، توصيفات ثلاث: التاريخية، الواقعية، الرمزية التي تتسع للذهني والفلسفي المجرد، وصولاً إلى تنويع طليق، تضمن الرواية والحكاية والملحمة والأمثولة وسيرة ذاتية حكائية، ودعاها أن تعترف بها لاحقاً: أصداء السيرة الذتية.
اتكأ محفوظ، في نصوصه المتنوعة، على مقولات أقرب إلى الثبات، أفصحت عن تصور للعالم، يحايثه تشاؤم طليق، وأبعاد من اللاأدرية والسخرية السوداء ووعي شكوك، التبس بفضول معرفي لا ينتهي… كان في نصوصه أقرب إلى “المفكر المتسائل”، الذي يستهل الكتابة بإرادة المسؤولية، التي تحتضن رواية عربية بحاجة إلى تطوير، ووعياً سياسياً مشدوداً إلى ثنائية: العدالة والحرية.
وسواء كانت مقولاته الفكرية قابلة لليقين، أو ما هو قريب منه، فقد حايثها، منذ البدايات المبكرة، مبدأ: المفارقة، الذي يضع في الفعل الإنساني ما ينفيه، ويدرج في خطوات صاحبه ما ينقله من طريق إلى طريق، كما لو كان في كل مخلوق كائن آخر، يمتثل إلى إرادة الأول ولا ينصاع إليها، أو كما لو كان في سياق الفعل ما يمكر بصاحبه السائر ويسدّ طريقه.
يكشف بطل محفوظ الروائي إنساناً هجرته بصيرته، يقصد هدفاً وينتهي إلى غيره، حال الضابط الفرح في “بداية ونهاية”، الذي راكم أنانية أنهته وكدرت عائلته. وربما يعتقد، في أحوال أخرى، أنه يضمن الحق ويسير إليه، إلى أن يفاجئه “شر غير منتظر” ينصر غير ما يريد، ويودي به إلى التهلكة، مثل سعيد مهران في رواية “اللص والكلاب”، حيث الشر ينصر إنساناً شريراً، ويمنع عقاب سلطة، تجمع بين التدليس ورغبة العقاب المجاني.
ما يلفت النظر أن “مفارقة محفوظ” زاملته في مراحله الروائية المتنوعة، ابتداء من روايته الأولى “عبث الأقدار” إلى “حضرة المحترم”، التي سبقت ملحمة “الحرافيش” 1977. حكمت المفارقة نتائج الفعل الروائي، مفضية إلى “حل أخير” لا دور للإنسان فيه، بعد أن غدا الأخير موضوعاً بيد أقدار حرّة، تضع إرادته خارجه، وتنقله من طور إلى آخر، كما لو كانت المفارقة، حاكم الوجود الإنساني، تتصرّف بمآله وتنهاه عن التصرّف بما يريد.
لم يكن محفوط، الذي أعطى المفارقة شكل القانون، يركن إلى تقنية فنية حديثة بقدر ما فعلت بها هشاشة الإنسان وضعفه، لكأنّ المفارقة تقنية فنية وتصوراً للعالم في آن.
تستظهر المفارقة، في شكلها الأكثر وضوحاً، في “اللص والكلاب”، إذ تتبدّى صدفة وقدراً في آن، تملي على من تقوده أن يطلق النار، وتملي على “الرصاصة” أن تخطئ إنساناً معروف الاسم، وأن تقتل آخر مجهولاً، وذلك في حكاية مؤسية تجمع بين الموت والسخرية، وبين ظلم الحاضر وعنف المجهول. وإذا كان في المفارقة صدفة عمياء، تستبعد الرغبة وتنشر العماء، فإن “الزمن الدائري”، وهو مقولة الروائي الثانية، يصيّر العماء إلى عبث باهظ الثمن، ويعيد البائس، الذي حطّت عليه صدفة خادعة، إلى وضع أكثر بؤساً، طالما أنه وجود أجوف، لا يتنازل عن رغبات تتجاوزه، ولا يستطيع تحقيقها. رسم محفوظ العماء، المحصن بالصدفة العمياء، في “القاهرة الجديدة”، حيث جديد القاهرة قديمها البائس، يحسم الجديد المفترض ويستعيض عنه “بالفضيحة”.. فلا معنى للمعرفة في فضاء سلطوي مسكون “بالتسليع”، لا فرق إن كان المسلْع وطناً، أو شابة جميلة.
يظل “الإنسان المعطى”، الذي تسقط عليه صدف لا يتوقعها، في مكانه، إن تقدم عاد وتراجع ولا يدرك بوار حركته إلا في لحظة متأخرة لا تسعف في الكثير، حال مآل الثورة في الثلاثية: فبعد غضب واندفاع وشهداء وتجدد ووعود وافرة، يرجع المتمردون إلى سجونهم، ويغتبط من استقر في قناعته القديمة، بعد أن آثر السلامة وابتعد عن المغامرة. وهناك الأنثى المخدوعة في “زقاق المدق”، التي لم تقنع بزقاقها، ولم تظفر بما يشبع أوهامها، ورجعت إلى حيث كانت، ولكن بكرامة أقل.
يأتي الزمن واعداً، ويقصّر الإنسان عن التحكم به، فيخسر إن استسلم له، وتصيبه الخسارة إذا ظل خارجه، حال الصبي الشقي الذي أراد أن يكون فتوة في قصة “الرجل الثاني”، التي استهل بها محفوظ مجموعته “الشيطان يعظ”، فلا الصبي بقي على قيد الحياة، ولا استدفأ بحب أنثاه المرغوبة، ولم يصبح “الفتوة” الذي حلم به. يترسب الزمن، دائماً، في إخفاق وشيخوخة وموت تتوافد على إنسان مرَّ بالحياة عابراً، “لا شيء صادق في هذه الجريدة إلا “صفحة الأموات”، يقول محفوظ في رواية “الشحاذ”، وإذا استعاض قارئ محفوظ عن الجريدة بالوجود، ظل القول صحيحاً، وإن كان الروائي الكبير ساوى بين الحياة والموت في الثلاثية.
ينتهي الإنسان في الزمن الدائري إلى ما بدأ به، ويصل إلى ما لا يتوقعه، مبدداً جهده وقاطعاً مسافة عقيمة. تعيد المفارقة إنتاج ذاتها بشكل آخر، مع فرق محدود هو أن المفاجأة في الزمن الدائري أقل عنفاً. غير أن تصور محفوظ المهجوس بضعف الإنسان يتوطّد ببعد ثالث عنوانه: عنف القدر، الذي يفصح عن العنف في حدّه الأقصى، موحداً بين جوهر إنساني يقف مائلاً، ومفاجاءات قدرية كاسحة.
تأتي عذابات الإنسان مكتملة، تبتعد عن النسبي والمجزوء والظاهري، وتمثَّل مآل الإنسان، الذي اكتسحه الزمن، فاحشاً في ملامحه. لكأن محفوظ، الذي يصور الفواجع إلى تخومها الأخيرة، يرمي إلى تصوير العذاب في ذاته، وإلى تجسيد جوهر الفاجع بلا نقصان وآية ذلك ماثل في مصير عائشة في الثلاثية، التي انتزع منها الموت الزوج والأولاد، فتساقطت أسنانها شعرها، وبدت عجوزاً وهي لم تبلغ الأربعين. وكذلك الأحوال العجيبة لذلك الإنسان الهارب من وجوده في قصة “الصدى” القصيرة، من مجموعة “دنيا الله”، الذي رجع يسترضي أماً هجرها طويلاً، فوجدها عمياء وصماء، لا تتعرّف على وجهه الشاكي، ولا على صوته المحتشد المطالب بالمغفرة. يعود من حيث أتى، وقد حَمَّل غربته السابقة اغتراباً جديداً، يدفعه خارج بيت قديم لن يعود إليه.
يكتمل تصوّر محفوظ المأساوي، ولا يكتمل، بسطوة الزمن، التي تبدّل من أقدار الإنسان وملامحه، لا يلتقي بما أراد، ولا يتبقى من وجهه ما كانه، لكأن في الزمن، الذي نزف رحمته، خلق جديد، يجتث من الإنسان ميلاده الأول، ويدخل كدبوس صدئ في حلقومه ورئيته وقلبه، ويعيد تخليقه إلى أن يأخذه إلى قبره. وما أقدار صابر، بطل “الطريق”، إلا صورة عن سطوة القدر الكاسحة، فلا يلتقي بأب مرغوب، ولا يستقر في حب مرتجى، صادرته الصدفة القاتلة، فيحمل أقداره وينتهي إلى المشنقة.
بلغ محفوظ، وهو يرصد ضيْعة الإنسان أقاليم اللامعقول، فلم يشتق الإنسان، في التحديد الأخير، من بيئته ولا من أهوائه، بل من سديم، تتداخل فيه العائلة والحارة وعثائر الطريق، واتساع الأرض التي لا تدرك أبعادها، وفضاء الكوكب الأرضي المحتشد بالغوامض، وصولاً إلى عماء مرهق، يطرد الأسئلة والإجابات معاً. كتب في الحكاية رقم 77 من كتابه “حكايات حارتنا”، وهو يسأل إنساناً عن سبب ضحكه، فأجابه: “تذكرت أنني طالب بين طلبة متنافسين في مدرسة تجمع بين طلبة الأزقة المتخاصمة، في حارة وسط حارات متعادية، وأني كائن بين ملايين الكائنات المنظورة وغير المنظورة، في كرة أرضية تهيم وسط مجموعة شمسية لا سلطان لي عليها، والمجموعة ضائعة في سديم هائل، والسديم تائه في كون لا نهائي، وأن الحياة التي أنتمي إليها مثل نقطة ندى فوق ورقة شجرة فارعة، وأن عليّ أن أسلّم بذلك كله، ثم أعيش لأهتم بالأحزان والأفراح، لذلك لا أتمالك نفسي من الضحك” ص: 149.
جمع التصوّر، في حيّز منه، بين التنافس والتخاصم والتعادي، وجمع في حيّز آخر بين غير المنظور والضائع والسديمي والهائم، وانتهى إلى ضحك متوّج بالعجز والرعب، إلى بكاء مكبوت النشيج.
أعطى محفوظ للاغتراب صياغات متعددة، وغاص بعيداً في اغتراب مقفل الجهات، ولا يمكن معرفة أسبابه، ولا النظر إلى أفق يتجاوزه، مبرهناً أن “عبث الأقدار” الذي استهل به شاباً، روايته الأولى، يصلح لجميع الأزمنة.
ومع أن موضوع الاغتراب شائع، مرّ عليه كافكا وغراهام غرين وألدوس هكسلي، فقد شاء محفوظ اغتراباً يوائم منظوره، قد يدعى: السديم الإنساني الذي لا خروج منه، الذي يوحي بفكرة التحرر ويغلقها، ويواجه المجهول بالجمال وشغف المعرفة.
مقال رأي للكاتب فيصل دراج نقلا عن صحيفة العربي الجديد
