تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشح في الدورة العاشرة.

الكاتب اليمني منير طلال يكشف طبيعة وبنية الرواية التاريخية

الكاتب اليمني منير طلال يكشف طبيعة وبنية الرواية التاريخية

كشف الكاتب والروائي اليمني منير طلال، عن أسباب استناده للتاريخ خلال كتابته، وقال «اهتمامي بكتابة التاريخ قصة ورواية ومسرحا، هو انعكاس لاهتمامي الواعي بالتأريخ المُشرق أولا، وبمعاناة بلادي، مما اعتبره أزمة هُوية ثانيا؛ وبالتالي فالاشتغال الأدبي على التاريخ هو عمل في غاية الأهمية في الوقت الحاضر من وجهة نظري خاصة في اليمن. إننا نعاني في اليمن من أزمة هُوية صارت واقعا، للأسف، بين أجنحة الصراع الراهن، وانعكست في وعي كثير من الناس، وقد بلغتْ حدا أن يتبنى بعض اليمنيين مواقف ضد يمنيتهم، كما صار في اليمن مَن يطعن في الهُوية القومية العربية، فالتيار السلفي يطعن في هذه الهُوية، ويعتبرها تعصب للقومية، كما أن هناك تيارا آخر يطعن ويشكك في الحركة الوطنية، ضمن تيارات أخرى متغرّبة عن واقعها تستغل هذا الواقع لكتابة ما يرونه سيحظى بالضوء والجوائز. فاليمن يعاني من تمزّق في الشعور بالانتماء المناطقي؛ فيأتي فريق يقول إنه حضرمي وآخر يقول إنه تهامي، وتمزُّق في الشعور بالانتماء المذهبي؛ فهذا يقول إنه زيدي وذاك يؤكد إنه شافعي.. لقد بدأ اليمن يتشظى لهُويات متعددة، وبالتالي فقد كان اشتغالي، منذ وقت مبكر من تجربتي، على الهُوية من منطلق استشعاري للخطر الذي أصبح واقعا اليوم؛ بالإضافة إلى شعوري بأهمية الرواية التاريخية في إعادة الاعتبار للثقافة المبدعة المنتجة انطلاقا من التاريخ؛ فكان أول أعمالي رواية «طريق البخور» تناولتُ فيها الحملة الرومانية على اليمن، عندما توحدت في مواجهتها قبائل اليمن مع قبائل الجزيرة العربية، ومن ثم رواية «طوفان الغضب» تناولت تاريخ انتفاضة الأحرار في مدينة المكلا/ شرقي اليمن، على الاحتلال الانكلوسلطاني (فترة حكم مناطق جنوب اليمن من قبل سلاطين بحماية إنجليزية، حيث كانت عدن حينها حتى ستينيات القرن الماضي واقعه تحت الاحتلال البريطاني وبقية مناطق الجنوب تحت الحماية البريطانية) وغيرها من الأعمال، وآخرها رواية «الزهراء السقطرية». وقدّمتُ أعمالا كثيرة مسرحية وقصصية جميعها تاريخية».

وأضاف منير طلال: تناولت روايتي الأخيرة «الزهراء السقطرية» المرحلة التاريخية التي شهدت فيها جزيرة سقطرى اليمنية الواقعة في المحيط الهندي أحداثا جسيمة، واستنجدت خلالها فتاة سقطرية بأمير عُمان مالك بن الصلت حينئذ، لإنقاذ الجزيرة، واستجاب لدعوتها الأمير العُماني وأرسل أسطوله لإنقاذ الجزيرة وإعادتها إلى سابق عهدها. كما قدمت أعمالا تاريخية مسرحية وقصصية، عُرضت محليا وعربيا من أهمها مسرحية» التغريبة السبأيةّ» التي أرجعت فيها السبب في انهيار سد مأرب إلى فساد الحكم في مملكة سبأ (إحدى الممالك اليمنية القديمة) وليس إلى الفأر، ومثلها أعمال كثيرة مسرحية وقصصية. فأنا اشتغلُ على الهُوية الوطنية والقومية من خلال التاريخ، باعتبارنا بحاجة ماسة للعودة للتاريخ ومراجعته والانطلاق من مناطق الضوء فيه، وإعادة الاعتبار لتراثنا الحضاري؛ لاسيما ونحن ــ للأسف ــ جيل الهزائم العربية، وبالتالي علينا أن نستنهض قومنا ببعث الروح الوطنية والقومية المضيئة في علاقتها الحضارية المشرقة بالعالم، التي ــ أيضا ــ تُعيد الثقة إلى الذات العربية وتعالج اختلالات علاقتها بالآخر والالتباسات التي تشوش رؤيتها للجديد، باتجاه تحفيزها للحاق بركب الأمم والحضارة بهُوية واعية بالذات وبحقائق التطور. من ناحية أخرى أرى بعض الأعمال التاريخية في الرواية اليمنية والصادرة في السنوات الأخيرة، أنها تمارس تشويها للتاريخ والحركة الوطنية. فكُتاب هذه الروايات، للأسف، يمتلكون وعيا تاما بما يحدث، لكنهم انتهازيون للحظة ويحاولون الوصول إلى أمجاد، مستغلين حالة اللامسوؤلية في الجسد العربي، وكذا حالة التطبيع الكبيرة التي لا تقتصر على الحكومات؛ فكثير من الأدباء باتوا يعملون على التطبيع مع إسرائيل، وتقديم بعض الخدمات لها من خلال الطعن في الهُوية بدعم من مؤسسات وجوائز ممولة عربيا للأسف. إن كتاب هذه الأعمال يفتقدون ــ بلا شك ــ للمرجعية المعرفية الواعية؛ فهمّ يؤكدون في كثير من أعمالهم على أنهم لم يقرأوا التاريخ ولم يستوعبوه جيدا، بما يجعلهم قادرين على التعامل المسؤول معه في ما يكتبون.

أما بخصوص طبيعة وبنية الرواية التاريخية، أكد الروائي اليمني «علاقتي بالتاريخ في كتابة الرواية التاريخية تقوم على الوعي بالتاريخ والنبش الحصيف في مناطق الإنجاز فيه، وإعادة الاشتغال عليها بما يسهم في تكريس خصوصية الهُوية ومحفزات نهضتها. كما أن تخصصي الأكاديمي لم يكن الدافع للاتجاه للرواية التاريخية بقدر ما كان إيمانه بدور الكاتب والسارد، خصوصا في تقديم التاريخ دفاعا عن الحاضر وتطلعا للمستقبل، في مواجهة ما تتعرض له الثقافة والهُوية من تحديات مختلفة. فمعاناة الرواية التاريخية تتكرس في كل قطر عربي، إضافة إلى تجاهل المؤسسة الرسمية في اليمن منذ عقود طويلة إعانة كُتاب الرواية التاريخية ورعاية أعمالهم، حيث لا يتم تقديم أي شكل من أشكال العون والرعاية إطلاقا، لدرجة أن كثيرا من أعمالي مازالت مخطوطة ولم أتمكن من طباعتها ومثلي الكثير، كما أن المؤسسات الإعلامية تبتعد قدر الإمكان عن إنتاج أعمال تاريخية ومرات كثيرة تم اختيار بعض أعمالي لإنتاجها دراميا، ولم تنفذ بسبب الميزانية، لهذا فالأعمال التاريخية غير مطلوبة دراميا وغير مدعومة مؤسسيا، لذا فكُتاب مثل هذه الأعمال بحاجة إلى تشجيع ودعم؛ لأن كتابة الرواية التاريخية تحتاج أحيانا لبحث قد يستغرق سنوات طويلة قبل البدء بكتابتها؛ ومثل هذا الجهد قد يحتاج أحيانا إلى تنقل بين المناطق، وزيارة مصادر متعددة والحصول على مراجع كثيرة، وهذا بالطبع يتطلب دعما ورعاية».

المصدر: صحيفة القدس العربي


أضف تعليق