تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشح للدورة الثانية عشرة.

الأعمال الروائية الأولى

الأعمال الروائية الأولى

“يقول بعض الناس في حارتنا أن الحياة والأحداث تدبير إلهي وعناية سماوية، ويقول آخرون أنها قضاء وقدر وكل شيء مكتوب على الجبين ومحدد مسبقاً… ويرى فريق ثالث مصادفات عمياء وعبثية سخيفة في كل ما يجري.. وتظن فئة أخرى أننا نقرر مصيرنا بأيدينا وما الحياة إلا قراراتنا القوية الثابتة. ورغم أنني أنتمي تاريخياً إلى مجموعة معنية بتراث وتقاليد خاصة إلا أن وجودي في حارتنا.. قد يكون حدثاً يمكن تفسير بكل الطرق السابقة. على كل حال ليس هذا المهم، إنما المهم أنني كنت هناك، وأنني أحببت أهل حارتنا.. وما أزال أفتقدهم بعد سنين من الرحيل، وما فتأت صورهم وحكاياهم هنا والآن حيّة ومشوقة… لذلك أشعر أنني لست بعيداً عنهم، ولست غريباً… وأنني لم أرحل. الحياة في حارتنا صاخبة مزدحمة، والناس يعرفون كل شيء عن بعضهم، ولشدة الترابط والاندماج، أشعر أنهم بحاجة لبعض الخصوصية والانفراد، ليخبروا قصصهم.. وربما يكون هذا الوقت هو الوحيد الذي يستطيعون أن يكونوا فيه بمفردهم. لأنني أحبهم جميعاً، حتى غير الطيبين فيهم، وأعرف أنهم يركضون وراء ضعفهم وليس لؤمهم، خلف حاجاتهم وليس خير الجميع.. لذلك أتركهم يقولون أعمق ما فيهم ولو كان خبيثاً ولئيماً ونرجسياً… حارتنا صغيرة بسيطة، لكنها لوحة رائعة، ولأن لوحات الحياة الجميلة كثيرة ومتباينة، فإنني أختصر لوحة حارتنا بهذا الخيال البسيط: بيت عربي، نافورة الماء، شجرة النارنج، نرجيلة المساء ودخانها، وجوه طيبة سمراء، وقمر ليالي الصيف الفضي المنتثر. كنت اعتدت أن اجلس مساءً في مقهى الحارة أتكلم ع الكبار والصغار وأستمع إليهم… وأحياناً كنت أزورهم في بيوتهم، أو ألتقيهم في الشارع فنتوقف ونتحدث، وفي جميع الأحوال كنت أستمع من كل قلبي بالوقت الذي أقضيه معهم. ولأنني منذ البدء أحببتهم أحراراً وصادقين وطيبين.. لذلك أنسحب الآن بسرعة لأتركهم يروون حكاياهم، وأحتجب لأعطيهم الفرصة ليقولوا ما يشاؤون كما هو بحرية!”.