النيل والفرات:
“رقصتها سحرت البحارة، وسارت بأقدامنا العارية على الماء شمالاً، كان في طبعها التشتيت، لولا تدخل الأولاد الذين أعادوا النوايا شرقاً بخاتمة للجنوب. ولليلة كاملة أنصتنا لعالم الدفة يقذف بلسانه العربي من على سفينة من سفن طارق المنتحرة. وكان يصوغ حلقات المعلقات ويضفرها مرساة تحميه منه التيه، كل القصائد تنازل تنين ما وراء البحر، بدمائه الزرق يطلع ليمخر بنا الماء، بينا في رمقنا الصحراء تشد… ثم دخل البحار مع تنينه في هذيان طويل، وأرسل السفينة في غيمة كآبه، وأفقنا ولنجاتنا قام عازف ربابة، ففسر التنين من أوراقنا الشعبية، قال: وقاطعه كبير الأدلاء بمنتخب ابن سيرين، قال: “التنين زمان طويل وذلك لطوله… برأس ضئيل، وربما حفلت رؤوسه بكل بلية وفن ونوع من أنواع الشرور…” عندها ارتفع صوت: “ما التنين سوى أنثى أندلسية، متسربلة في برانس صحراويات، كلما غصت بأظافرك في جلدها فاحت عرائس خشب الصندل، حتى إذا تجلّدت وغصت خرجت لك بحور دهن العود… والنعيم للسبّاح… إذ يهوي الغمر في محارق لا نهائية…” وسرّت عنا أوهامه، فهبت الوحشة من جهة الغرب فشرقنا على غير هدى، وعلى أقدامنا المغلطمة عبر الحجج الغميقة لكل مسافر منا… عدنا من حيث بدأنا حفاة عراة، وكان الصغار يحلقون بطونهم في استقبالنا، ويتأملون أسنامنا الحادية على زبدة سرية رخيصة وأشاعوا أنها خلاصة الرياحين الأندلسية، والتي في عزيمتها أحياء المقابر النسانة أينما رحلنا أو ضربنا أطنابنا… وفي الصحراء التي كرّت، وللحرز من أناث التنين، كنا معلقين على جذوع نسوة بدويات ونخضّ، ثم نلقم عيون برد الليل الجاحظة لنتجلط خلاصتنا، ليال لم تسكت ظهورنا عن نزحها، حتى قذفنا عارض أخير لرمال قاحلة. وحين عاودتنا أجذع الخطى في الحلم كانت هوامل وتقترب من مخاضها، عرفنا أننا خلفنا نسلاً بغرب الصحراء الكبرى.
طريق الحرير
